الشيخ محمد رشيد رضا

327

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وان أخطأ في فهمه ، لأنه بذل جهده في الاهتداء بما أنزله اللّه هداية له . كما يعلم ذلك من معاملة النبي ( ص ) لأصحابه فيما فهموه من كيفية التيمم ، إذ عذر المختلفين في فهمها والعمل بها ، ومثله معاملته لهم فيما فهموه من نهيه عن صلاة العصر الا في قريظة ، ولذلك شواهد أخرى ولا أخال مسلما يجعل لعبارة مترجم القرآن هذه المزية ( 7 ) ان القرآن ينبوع للهداية والمعارف الإلهية لا تخلق جدته ، ولا تفتأ تتجدد هدايته ، وتفيض للقارئ على حسب استعداده حكمته ، فربما ظهر للمتأخر من حكمه وأسراره ما لم يظهر لمن قبله ، تصديقا لعموم حديث « فربّ مبلغ أوعى من سامع » وترجمته تبطل هذه المزية ، إذ تقيد القارئ بالمعنى الذي صوره المترجم بحسب فهمه . مثال ذلك أن المترجم قد يجعل قوله تعالى ( 15 : 22 وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) من المجاز بالاستعارة أي أن اتصال الريح بالسحاب وحدوث المطر عقب ذلك يشبه تلقيح الذكر للأنثى وحدوث الولد بعد ذلك كما فهم بعض المفسرين . فإذا هو جرى على ذلك بأن فرضنا أنه لا يوجد في اللغة التي يترجم بها لفظ يقوم مقام ( لواقح ) العربي في احتمال حقيقته ومجازه إذا أطلق فان القارئين يتقيدون بهذا الفهم ، ويمتنع عليهم أن يفهموا من العبارة ما هي حقيقة فيه ، وهو كون الرياح لواقح بالفعل . إذ هي تحمل مادة اللقاح من ذكور الشجر إلى إناثه ، فإن لم ينطبق هذا المثال على القاعدة لتيسر ترجمة الآية ترجمة حرفية ، فان هناك أمثلة أخرى ، وحسبنا ان يكون هذا موضحا . والترجمة تقف بنا عند حدّ من الفهم يعوزنا معه الترقي المطلوب ( 8 ) ذكر الغزالي في كتاب « إلجام العوام عن علم الكلام » أن ترجمة آيات الصفات الإلهية غير جائزة ، واستدل على ذلك بما هو واضح جدّا . وقد ذكرنا عبارته في تفسير ( 3 : 6 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) وبين أن الخطأ في ذلك مدرجة للكفر « 1 » ( 9 ) ذكر الغزالي في الاستدلال على ما تقدم أن من الألفاظ العربية مالا يوجد لها فارسية تطابقها - أي ومثل الفارسية التركية وغيرها - فما الذي

--> ( 1 ) راجع ص 728 م 9 أو 214 من الجزء الثالث من التفسير